محمد بن جرير الطبري
82
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
اتضع له رفعه . قال أيوب ( ص ) : إن أهلكني فمن ذا الذي يعرض له في عبده ويسأله عن أمره ؟ لا يرد غضبه شئ إلا رحمته ، ولا ينفع عبده إلا التضرع له قال : رب أقبل علي برحمتك ، وأعلمني ما ذنبي الذي أذنبت أو لأي شئ صرفت وجهك الكريم عني ، وجعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني ؟ ليس يغيب عنك شئ تحصى قطر الأمطار وورق الأشجار وذر التراب ، أصبح جلدي كالثوب العفن ، بأيه أمسكت سقط في يدي ، فهب لي قربانا من عندك ، وفرجا من بلائي ، بالقدرة التي تبعث موتى العباد وتنشر بها ميت البلاد ، ولا تهلكني بغير أن تعلمني ما ذنبي ، ولا تفسد عمل يديك وإن كنت غنيا عني ليس ينبغي في حكمك ظلم ، ولا في نقمتك عجل ، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وإنما يعجل من يخاف الفوت ولا تذكرني خطئي وذنوبي ، أذكر كيف خلقتني من طين فجعلتني مضغة ، ثم خلقت المضغة عظاما ، وكسوت العظام لحما وجلدا ، وجعلت العصب والعروق لذلك قواما وشدة ، وربيتني صغيرا ، ورزقتني كبيرا ، ثم حفظت عهدك وفعلت أمرك فإن أخطأت فبين لي ولا تهلكني غما ، وأعلمني ذنبي فإن لم أرضك فأنا أهل أن تعذبني ، وإن كنت من بين خلقك تحصي علي عملي ، وأستغفرك فلا تغفر لي . إن أحسنت لم أرفع رأسي ، وإن أسأت لم تبلعني ريقي ولم تقلني عثرتي ، وقد ترى ضعفي تحتك وتضرعي لك ، فلم خلقتني ؟ أو لم أخرجتني من بطن أمي ؟ لو كنت كمن لم يكن لكان خيرا لي ، فليست الدنيا عندي تخطر لغضبك ، وليس جسدي يقوم بعذابك ، فارحمني وأذقني طعم العافية من قبل أن أصير إلى ضيق القبر وظلمة الأرض وغم الموت قال صافر : قد تكلمت يا أيوب وما يطيق أحد أن يحبس فمك تزعم أنك برئ ، فهل ينفعك إن كنت بريئا وعليك من يحصي عملك ؟ وتزعم أنك تعلم أن الله يغفر لك ذنوبك ، هل تعلم سمك السماء كم بعده ؟ أم هل تعلم عمق الهواء كم بعده ؟ أم هل تعلم أي الأرض أعرضها ؟ أم هل عندك لها من مقدار تقدرها به ؟ أم هل تعلم أي البحر أعمقه ؟ أم هل تعلم بأي شئ تحبسه ؟ فإن كنت تعلم هذا العلم وإن كنت لا تعلمه ، فإن الله خلقه وهو يحصيه ، لو تركت كثرة الحديث وطلبت إلى ربك رجوت أن يرحمك ، فبذلك تستخرج رحمته ، وإن كنت تقيم على خطيئتك وترفع إلى الله يديك عند الحاجة وأنت مصر على ذنبك إصرار الماء الجاري في صبب لا يستطاع إحباسه ، فعند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوه الأشرار وتظلم عيونهم ، وعند ذلك يسر بنجاح حوائجهم الذين تركوا الشهوات تزينا بذلك عند ربهم ، وتقدموا في التضرع ، ليستحقوا بذلك الرحمة حين يحتاجون إليها ، وهم الذين كابدوا الليل واعتزلوا الفرش وانتظروا الأسحار .